رحلة للفضاء : رحلة إلى كوكب الزهرة

0

رحلة للفضاء : رحلة إلى كوكب الزهرة



لو نظرت إلى الأفق المعتم بعد الغروب مباشرة فإنك ترى نجما شديد اللمعان. هذا هو كوكب الزهرة. وقد تبدو الزهرة للعيان قبل الفجر بفترة قصيرة، بل قد ترى في وضح النهار. ويرجع شدة لمعان الزهرة إلى قربها من الشمس وقدرتها على عكس الضوء.

وتعتبر الزهرة أقرب جيران الأرض. وهي أكثر کواکب المجموعة الشمسية شبها بالأرض، وتقل أبعادها وكتلتها عن أبعاد وكتلة كوكبنا بنسبة ضئيلة. ومن ثم فإن مكتشفي الفضاء في المستقبل لن يندهشوا لوزنهم حينما يستقرون على سطحها.

وفي عام ۱۷۹۱، اكتشف العالم ميخائيل لومندسوف، بواسطة أحد التلسكوبات، حافة مضيئة حول الزهرة حينما تقترب من قرص الشمس. و أرجع هذه الظاهرة إلى وجود غلاف غازي حول الزهرة. وأثبتت بعض عمليات الرصد التالية لذلك، أن الهالة المضيئة هي بالفعل الغلاف الغازي المحيط بالكوكب، و أنها مضاءة بواسطة  الشمن. وقد تم رصد هذه الظاهرة عام ۱۱۸۲، وهو ما لم يتمكن الإنسان من رصده مرة أخرى سوى عام ۲۰۰4. ولكن ستختلف الحال بالنسبة للعلماء الذين يستقلون سفينة الفضاء، إذ إنهم سيتمكنون من رؤية هذه الظاهرة عدة مرات في العام الواحد.

وكانت هناك فكرة شائعة، وظلت سائدة مدة طويلة دون أن :: عزع، يرى أصحابها أن السحب المحيطة بالزهرة إنما تكونت بفعل بخار ماء، وأن هذه السحب تعكس أشعة الشمس بكمية كبيرة: ولكن أثبتت الأبحاث التي أجريت بعد ذلك أن طبقات الجو العليا لا تحتوي على بخار ماء ولا أكسجين، ولكنها تحتوي بدلا من ذلك على حامض كربونيك بنسبة كبيرة، ولذلك فمن المحتمل أن يكون الهواء الذي يغطي سطح الكوكب مباشرة غير صالح للتنفس، ولهذا فلابد وأن يحمل المسافرون معهم خزانات للأكسجين.

الضغط الجوي فوق سطح الزهرة


ويسود الاعتقاد بين بعض علماء الفلك بأن بنية الغلاف الغازي المحيط بالزهرة مشابهة للغلاف الغازي المحيط بالأرض. ولكن هناك علماء آخرين يعتقدون بأن غلاف الزهرة إلى ارتفاع الزهرة يمتد إلى ارتفاع شاهق أكثر من مثيله على الأرض. وقد كشفت بعض عمليات الرصد التي تمت وقت الشفق لكوكب الزهرة، أن الضغط الجوي فوق سطح الزهرة يزيد على الضغط الجوي فوق سطح الأرض بما يعادل مرتين أو ثلاث مرات.

وهذا من شأنه أن يساعد على تهدئة سرعة سفينة الفضاء حينما تدخل هذا النطاق بقصد الهبوط على سطح الزهرة. لم تثبت العلماء بعد بصورة نهائية من المدة التي يستغرقها كوكب الزهرة في الدورة الواحدة حول محوره (الزمن الذي يقضيه في دورة كاملة حول نفسه). ويعتقد بعض المشتغلين بعلم الفلك أنها 68 ساعة، بينما يرى البعض الآخر أنها مساوية للفترة التي تستغرقها الأرض في دورتها حول محورها، ويبری فریق ثالث أنها هي نفس المدة التي تقضيها الزهرة في دورتها حول الشمس، أي ۲۲۰ يوما، ولم يستطع العلماء بعد تحديد الزاوية بين خط الاستواء الكوكب الزهرة وبين فلکه. وهذه الزاوية هي التي تحدد المدة التي يستغرقها الليل والنهار طول العام. ولا يحتمل أن نهتدي إلى الإجابة عن هذه المسائل حتى يحلق المسافرون عبر الفضاء حول الزهرة.

ولا يمكننا بهذه المعلومات التي بين أيدينا أن نقدر الارتفاع والاتجاه الذين يجب أن تسير فيهما سفن الفضاء لكي تغوص داخل الغلاف الغازي المحيط بالزهرة، وتضمن لنفسها هبوطا مأمون العواقب. وكلما قلت سرعة سفينة الفضاء بالنسبة للغلاف الغازی المحيط بالكوكب كلما كان ذلك مدعاة للسهولة، والأمن في الهبوط. وتعتمد سرعة الصاروخ إلى حد كبير على توافق اتجاه طير انه مع دورة الكوكب حول نفسه.

إن عمليات الاستطلاع الأولية ستساعدنا على القيام بدراسة شاملة لبنية القشرة السطحية للزهرة، ومعرفة إذا كانت هناك نباتات وحيوانات أم لا. إلا أن ستار السحب، المحيطة بالكوكب، سيحول دون رصد سطحه مباشرة. ولكن، ورغم هذا الستار من السحب، هناك طرق حديثة للتصوير تستخدم فيها الأشعة تحت الحمراء. وهذه الطرق تيسر لنا تصوير سطح الزهرة من داخل سفينة الفضاء.

لنخيل أننا في طريقنا إلى الزهرة داخل سفينة الفضاء. (شكل 14) تنطلق السفينة بنا أولا من تفوق الأرض بسرعة مقدارها ۱۱٫5 كيلو متر في الثانية. ويوقف الملاح المحركات بعد ذلك، وحينئذ يشق الصاروخ عباب الفضاء مثل الحجر بعد قذفه بمقلاع. ولن يشعر الركاب بعد ذلك بأي ثقل و سيكون بمستطاعهم أن يروا كوكبنا من خلال النوافذ، على مسافة قصيرة وكأنه كرة لونها ضارب للزرقة و الاخضرار، وتدور على مهل في فضاء أسود فاحم. ويمكن رؤية حواف القارات التي تضيئها الشمس بوضوح من خلال فجوات السحب. وبعد أن تخرج السفينة من نطاق الجاذبية الأرضية تخلف الأرض وراءها بمسافات تتباعد باستمرار.

على هيئة كرة صغيرة لامعة ضاربة إلى الزرقة. وها هو عالم آخر جديد لا نعرف عنه شيئا، يقترب منا سريعا، ويتلألأ لونه الذي يجمع بين الزرقة و البياض. إنه الزهرة. وها هو ذا الكوكب يكبر حجمه ويخفي عن نظرنا نجوما كثيرة يزداد عددها مع مرور الوقت. والآن لابد من تهدئة سرعة الفضاء حتى تحول دون اصطدامها بسطح الزهرة كما يصطدم شهاب جبار. ولو قدر هذا الحادث أن يقع فإن طاقة الحركة ستتحول كلها إلى طاقة حرارية على شكل انفجار شدید يتبخر من جرائه کل محتويات السفينة، ولن يخلف وراءه أي أثر لها سوى فوهة ضخمة.

لقد بذل الملاح كل ما في وسعه کی يتجنب الاصطدام بسطح . الكوكب. وها هو ذا يدخل نطاق الغلاف الغازي المحيط بالزهرة ويسير موازيا تقريبا لسطحها، ويهدئ من سرعة الصاروخ، وذلك  في مقدمة السفينة، ويوقف سفينة الفضاء بالفعل. وبعد لحظات قليلة تتمكن السفينة من أن ترسو على الأرض في أمن وسلام.

وها هم العلماء يمضون أوقاتهم في عمليات الرصد وإجراء التجارب، وجمع عينات أثارت اهتمامهم، ويقومون ببعض الأبحاث الأخرى. وأخيرا حان موعد الرحيل، وتنطلق سفينة الفضاء في سرعة مقدارها ۱۰٫۷ كيلو متر في الثانية، وتطير في مسار شبه القطع الناقص في منطقة تماس مداري الزهرة و الأرض. وستدخل السفينة الغلاف الغازي المحيط بالأرض في سرعة مقدارها ۱۱٫۵ كيلو متر في الثانية. ولكي يخمد الملاح سرعة السفينة، قبل أن تستقر على الأرض، فإنه سينزلق بها أولا في طبقات الجو العليا للارض، ثم ينتقل إلى الطبقات السفلى التي تزداد كثافتها بالتدريج.

60 يوما، إن لم يكن إلى ما هو أقل من ذلك. ولكي نتمكن من بلوغ هذا الهدف "اختصار زمن العبور" رغم يحدث تماما بالنسبة لقطعة الحجر. فكلمت زادت السرعة التي تنطلق بها قطعة الحجر عبر الهواء، كلما كانت أسرع في إصابة الهدف. وبالنسبة للحالة التي سبق لنا وصفها، فكلما زادت السرعة المبدئية التي تنطلق بها سفينة الفضاء بالنسبة للأرض، كلما قلت سرعتها بالنسبة للشمس. وذلك لأنها ستنطلق في اتجاه مضاد لحركة الأرض.

وإذا شئت أن تعرف لماذا تنقص المدة التي تقضيها السفينة في الطيران، على الرغم من انخفاض سرعة حركة الصاروخ في الفضاء، فليس عليك إلا أن تلق نظرة إلى الشكل 14. إذ إن هذا الشكل يعطيك مفتاح المشكلة، فالشكل يوضح لك ثلاث سرعات. ولنفترض أن الصاروخ تحرك بأقل السرعات الثلاث، فإنه يتمكن من أن يعبر أقل المسافات التي تساعده على اختصار زمن السفر.

رحلة للفضاء : رحلة إلى المريخ

0

رحلة للفضاء : رحلة إلى المريخ



السفر إلى المريخ من الموضوعات التي لها أهمية كبرى. ولقد ظل هذا الكوكب، طوال القرون الثلاثة الماضية، موضع اهتمام علماء الفلك و غيرهم من العلماء، لقربه من الأرض وتشابه ظروفه الطبيعية. ولم يعد خبراء الكواكب الأن ليقنعوا بدراسة سطح المريخ من على سطح الصور الفوتوغرافية، إذ إنه يبدو صغيرا حتى ولو استخدمنا أضخم التلسكوبات في النظر إليه.

ومن المحتمل أن تسبق رحلتنا إلى المريخ، التي ننوى الهبوط فيها على سطحه، رحلات استطلاعية حول الكوكب، كما هي الحال في رحلتنا إلى القمر. ومن ثم فإن سفن الفضاء ستتحول مؤقتا إلى كواكب صناعية تابعة للمريخ. والواقع أن عملية الهبوط والانطلاق ستكونان عمليتين شاقتين للغاية في المراحل الأولى من سفرنا عبر الفضاء. وأهم هذه العقبات هي؛ أن الوقود اللازم للعودة من الرحلة لابد وأن يحمله المسافرون معهم من الأرض. ولا شك في أن البحث التفصيلي لسطح المريخ سيساعدنا على اختيار أفضل الأماكن التي تصلح للهبوط، كما سيساعدنا هذا البحث في الحصول على معلومات لا يتيسر لنا التثبت من صحتها ونحن هنا على الأرض. وهذه المعلومات ضرورية جدا بالنسبة لنا قبل أن نبدأ رحلتنا لنغزو المريخ ونرسو على أرضه.

وأول الأمور التي يجب أن تتوفر على بحثها هي؛ هل من الممكن الاستفادة من بنية وتركيب الغلاف الغازي المحيط بالمريخ التهدئة سرعة سفينة الفضاء؟ ومثل هذا البحث سيساعدنا كذلك على اكتشاف مسائل مهمة مثل: هل يستطيع الإنسان أن يحيا على ظهر هذا الكوكب؟ وهل غلافه الغازی يهيئ لنا الوقاية الكافية لحمايتنا من الإشعاعات الضارة، والشهب التي لا تحصى والتي تتساقط عليه من الفضاء الخارجي؟ ولقد اكتشف العلماء أن الأشعة فوق البنفسجية ستنفذ إلى سطح الكوكب، وتهدد حياة المسافرين عبر الفضاء. وعرف العلماء ذلك لأن الغلاف الغازي المحيط بالمريخ خل ومن غاز الأوزون الذي يمتص الأشعة فوق البنفسجية التي تسقط من الشمس.

وهناك عدة مسارات مختلفة يمكن اتباعها للطيران حول المريخ. وتتوقف المدة التي تستغرقها الرحلة، والسرعة المبدئية التي تنطلق بها سفينة الفضاء، على نوع المسار الذي يقع عليه الاختيار.

ولنفترض أننا سنتبع مسارا يستلزم عامين لإتمام الرجلة . يجب أن ينطلق الصاروخ من محطة الفضاء في منتصف الليل حسب التوقيت المحلي، حينما تكون مراكز كل من الأرض والشمس والمحطة على خط مستقیم. إذ إن هذه هي أفضل اللحظات المناسبة، لأن اتجاه حركة محطة الفضاء سيتفق مع اتجاه الصاروخ المنطلق. وسوف يستفيد الصاروخ في انطلاقه من السرعة التي تسير بها محطة الفضاء، وينطلق الصاروخ حينئذ بأقل سرعة ممكنة وقدرها 4٫۳ كيلو مترات في الثانية. ولكن إذا كانت الرحلة ستبدأ مباشرة من فوق س طح الأرض، فإن السرعة اللازمة حينئذ هي ۱۲٫۳ كيلو متر في الثانية.

وإذا كان الصاروخ المنطلق يزن عشرة أطنان، وسرعة العالم أربعة كيلو مترات في الثانية، فإنه لابد وأن يحمل ۱۹٫6 طن من الوقود. وذلك إذا كان سيبدأ رحلته من فوق محطة الفضاء. أما إذا كان سيبدأ رحلته من فوق سطح الأرض فإنه سيحتاج إلى ۲۱۹ طنا من الوقود.

وتتغير سرعة الصاروخ باستمرار طوال فترة طيرانه عبر الفضاء. إذ سيبدأ رحلته وينطلق بأقصى سرعة ممكنة له. ثم تأخذ الكرة الأرضية.

وبعد أن يقترب الصاروخ من المريخ يحاول أن يرتد عنه إلى مسافة معينة وينطلق في الفضاء الخارجي ونظرا لأن المريخ يدور حول محوره، فإن المسافرين سيتمكنون من التقاط صور لسطحه أثناء طيرانهم حوله.

وتصل سفينة الفضاء أقصى نقطة في مسارها بعد عام واحد من طيرانها، وبذلك تكون قد قطعت مسافة ۲ , ۱۷5 سنة ضوئية بعيدا عن الأرض، وهنا تبلغ سرعتها أقل مدى لها. وبعد أن تتجاوز سفينة الفضاء هذه النقطة تعود مرة أخرى إلى الاقتراب من فلك المريخ بسرعة متزايدة. لكنها لن تلتقی بالكوكب في هذه المرة. وحينئذ يغلق المسار الطيران، وهو على شكل قطع ناقص، وتبدأ سفينة الفضاء بعد ذلك تعود أدراجها إلى الأرض بنفس السرعة التي انطلقت بها.

وهناك وسيلة أخرى للقيام بدراسة المريخ عن قرب، وتستمر هذه الدراسة فترة طويلة من الزمن. وذلك بأن نطلق صاروخا قويا ليرسو فوق سطح فوبوس، وديموس، وهما قمران تابعان للمريخ. ويبعد عنه بمسافة ۲۳٫۰۰۰ كيلو متر أي ۱ / ۱۷. من المسافة التي تفصل بين الأرض والقمر. ويبعد فوبوس بمسافة  9, ۰۰۰ كيلو متر عن سطح المريخ، وتستغرق دورته الكاملة حول الكوكب فترة أقل من ثماني ساعات. ويلاحظ أن حجم وكتلة هذه الأجرام السماوية صغيرة جدا، كما أن قوة جذب جاذبيتها لا يؤبه لها. ولذلك سيكون أيسر علينا أن نزود هذين القمرين عن أن نزود كوكبهما التابعين له.

ويفيدنا علم الطبيعيات الفلكية الحديث بمعلومات توحي إلينا بأن الظروف الطبيعية المحيطة بالقمر مشابهة إلى حد كبير بتلك التي تحيط بالمريخ عن أي كوكب آخر. ولقد قام مجموعة من علماء الفلك السوفيت وعلى رأسهم ج.تتجوف، بأبحاث طويلة في هذا الصدد. وانتهى هؤلاء العلماء من بحثهم إلى الاعتقاد بوجود نباتات على ظهر المريخ. ويعتقد العلماء أن الغلاف الغازي المحيط بالمريخ يحتوي على غاز الأكسجين، وخلوا من الغازات التي تؤدي حياة الإنسان. 

هذا على الرغم من أن الغلاف الغازي رقيق جدا، حتى ولو كان فوق سطح الكوكب مباشرة. ومن ثم سيضطر المسافرون عبر الفضاء أن يحيوا داخل حجرات حب الهواء حيث يتيسر تنظیم الضغط وحرارة الجو بداخلها، كما سيضطرون إلى ارتداء معاطف الفضاء قبل أن يتركوا الصاروخ. ومن المحتمل وجود ماء فوق سطح المريخ. ويعتبر مناخ المريخ مناخا قاريا أكثر مما هي الحال على الأرض. والسبب في ذلك أن شدة الإشعاعات الشمسية فوق سطح المريخ تبلغ نصف شدة الإشعاعات الساقطة على الأرض.

ما أفضل المسارات من الناحية الاقتصادية والتي يجدر بنا اتباعها في غزو المريخ بحيث يتيسر لنا الهبوط فوق سطحه؟


إن أقصر خط بين نقطتين في الفضاء هو الخط المستقيم. وأيا كان الأمر فإن سفينة الفضاء لن تتمكن من الطيران كما يطير الغراب. إذ إن جاذبية الشمس ستجبر الصاروخ على أن يحيد عن طريقه في الفضاء تماما، كما تؤثر جاذبية الأرض على مسار حجر قذف في الفضاء إلى أعلى فيسير بزاوية معينة. حقا إن سفينة الفضاء يمكنها أن تسير في مسار مستقیم وذلك إذا ما دارت محركاتها باستمرار. إلا أن ذلك معناه زيادة في استنفاد الوقود بكمية هائلة. 

والوسيلة الوحيدة التي يمكن بها لسفينة الفضاء أن تتخلص من عملية الانحراف عن مسارها، بتأثیر جاذبية الشمس، وتسير في مسار مستقيم هي أن تطير في خط رأسي مواز لأشعة الشمس. لكن هذا النوع من الطيران يستلزم كميات هائلة من الوقود، لأن سفينة الفضاء ستضطر إلى أن تخمد هذه السرعة الهائلة التي كانت تدور بها هي والأرض حول الشمس. وتقدر هذه السرعة بنحو 30 كيلو مترا في الثانية. وهذه السرعة ستحرف سفينة الفضاء عن طريقها بنفس الطريقة التي يحرف بها التيار قاربا وضع في النهر ليعبره إلى الشط الأخر ويسير في زاوية قائمة.

ولنفترض، مع هذا كله، أننا بدأنا رحلة إلى المريخ متبعین أقصر الطريق وأكثرها استقامة. إذا حدث ذلك فإن الرحلة تتم خلال ۸۰ يوما. ولكن لابد، لبلوغ هذا الهدف، من السير بسرعة لا تقل عن ۳۹ كيلو مترا في الثانية. ومن الواضح أن مثل هذا الطريق يكلفنا تكاليف باهظة.

وعلى العكس من ذلك، فلو بدأت سفينة الفضاء تحلق في مسار شبه القطع الناقص، فإنها ستضطر إلى أن تنطلق من الأرض  بأقل سرعة ممكنة لها. وسوف تسير السفينة بأقل سرعة لها كذلك حينما تبدأ في عملية الهبوط فوق المريخ.

وسبق أن أشرنا إلى أن سفينة الفضاء يستحيل عليها أن تنطلق من فوق سطح الأرض في أي لحظة من اللحظات، إن لم تتبع فی سیرها خطا مستقيما. إذا لابد وأن يكون المريخ في وضع معين بالنسبة للأرض إذا كان لابد للصاروخ من أن يلتقي به حينما يبلغ مداره. ويلاحظ أن المريخ لا يتخذ هذا الوضع المحدد إلا مرة واحدة كل ۷۸۰ يوما في المتوسط.

وتستغرق الرحلة إلى المريخ مدة ۲۵۹ يوما. ذلك إذا كان مسارها شبه قطع ناقص. وسيضطر المسافرون عبر الفضاء إلى الانتظار مدة 454 يوما قبل أن يعودوا أدراجهم متخذين نفس المسار، حتى يعود الكوكبان إلى وضعهما الصحيح بالنسبة لبعضهما.

وإذا اتبعت سفينة الفضاء مثل هذا المسار في رحلتها إلى المريخ، فلابد لها وأن تنطلق بسرعة ۱۱٫6 كيلو متر في الثانية. ولكن من المشكوك فيه أن يرضى إنسان، من الموعودين بالسفر عبر الفضاء بالقيام بهذه الرحلة التي يقطع فيها مثل هذا الطريق الطويل. ويمكن للمسافرين أن يختصروا زمن العبور، وذلك إذا زادت سرعة الانطلاق، وسافروا في مسار على شكل القطع المتكافئ. وتستغرق رحلتهم في هذه الحالة ۷۰ يوما. وذلك على افتراض أن سفينة الفضاء بدأت رحلتها وكانت سرعتها المبدئية لانطلاقها هی ۱۹٫۷ كيلو متر في الثانية. وبالتالى فإذا زادت السرعة المبدئية للانطلاق إلى 1 , 4 مرة ستنخفض المدة التي تستغرقها رحلتهم بواقع ۳٫۷ . وتلك هي إحدى القسمات المميزة للملاحة عبر الفضاء.

ان الاعتقاد الشائع في نهاية القرن الماضي أن المريخ تسكنه حیوانات راقية. وكتب الكثيرون روايات وقصصا تناولت هذا الموضوع. ولكن لم يحاول مؤلفو هذه الروايات أن يكلفوا أبطالها عناء التفكير في توقيت طيرانهم أو تحديد المسار الذي يجب عليهم أن يتبعوه. ومع هذا فلو فكروا في هذا الموضوع فإنه سيزداد صعوبة وتعقيدا. إن رحلة بين كوكبين يمكن أن تتم فقط عبر عدد من الطرق المعقولة"، ولابد وأن يوضع موضع الاعتبار، مواضع الكواكب بالنسبة إلى بعضها، ومن ثم فلابد وأن تحدد بدقة مواعيد انطلاق سفن الفضاء ومواعيد وصولها إلى أهدافها.

ولو قدر لنا أن نرسم جدولا يبين مواعيد الطيران إلى المريخ أو الزهرة، فإننا سنجد فيه كثيرا من الخانات البيضاء، أو "الفصول العاطلة". وتتراوح مدة هذه الفصول من بضعة أشهر إلى العام ونصف العام، أو ما يقارب ذلك. ولن تتمكن سفينة الفضاء في هذه الفترة من الانطلاق من فوق سطح الأرض أو الهبوط فوق هدفها، نظرا لأن الكواكب لم تتخذ الوضع الملائم للقيام بالرحلة.

رحلة للفضاء رحة إلى القمر

0

رحلة للفضاء  رحة إلى القمر



لاشك أن القمر سيكون أول هدف يقصده الإنسان في سلسلة متر أي 1... من المسافة التي تفصل بين الزهرة و الأرض حينما تكون الزهرة في أقرب نقطة لها من الأرض. وتعتبر هذه المسافة قصيرة إلى حد كبير، حتى ولو كانت بالنسبة للمسافات الأرضية. إذا إن هناك الكثير من ركاب السكك الحديدية. و البحارة الذين قطعوا نفس المسافة. وهناك كثير من الطيارين الذين قطعوا بطائراتهم مسافات تعادل هذا البعد مرتين.

لقد أثبتت التجارب العديدة أن الإنسان لكي يرتقى ارتفاعا قدره ۱۵۰۰ مترا، فإنه يحتاج إلى جهد يساوى الجهد الذي يبذله في يوم  كامل. وحسب هذا التقدير فإن الإنسان يحتاج إلى 680 عاماکی يصل إلى القمر. إلا أن هذا التقدير يكون صحيحا في حالة واحدة فقط وهي؛ أن الرحلة ستتم في نفس الظروف وبنفس السرعة التي كانت عليها في اليوم الأول. ومع ذلك فإنه فرض خاطئ. إذ إن جاذبية الأرض تقل كلما زادت المسافة التي تسلقها المسافر. وهذه الظاهرة من شأنها أن تساعده على زيادة سرعته باستمرار وإتمام رحلته خلال أحد عشر عاما.

ولكن كيف يكون الحال إذا استخدمنا الصاروخ؟ وكم المدة التي سيستغرقها الصاروخ حتى يصل إلى القمر؟ يمكن للصاروخ أن يصل إلى القمر في مدة ۵۱ ساعة، وذلك إذا ما تخلص من الأرض بسرعة قدرها ۱۱٫۲ كيلو متر في الثانية. ولن يتمكن الإنسان من توجيه الكواكب الأولى فقط، توجيها لاسلكيا، بل سيوجه كذلك الصواريخ القمرية الأولى. وسيتمكن الإشارات اللاسلكية التي ترسلها.

وسيحمل الصاروخ مسحوقا متوهجا، وحينما يرى العلماء وهجا دلالة على اشتعال هذا المسحوق فهذا معناه أن الصاروخ قد سقط على سطح القمر في نفس اللحظة التي حدث فيها التوهج. وإذا سقط الصاروخ على الجزء المعتم من وجه القمر، فإن هذا سيساعد بالتأكيد على رؤية اشتعال المسحوق المتوهج بوضوح أكثر. ومن الممكن بالإضافة إلى ذلك أن يتطاير مسحوق أبيض، ويشغل مساحة واسعة، نتيجة سقوط الصاروخ على القمر. وهذا المسحوق يمكن رؤيته من فوق سطح الأرض.

وفي مرحلة ثالثة سيتمكن العلماء من إطلاق صواريخ أقوى من هذه الصواريخ من فوق إحدى محطات الفضاء. ومن المحتمل أن تتحول هذه الصواريخ إلى كواكب صناعية تابعة للقمر وتدور حوله مدة طويلة من الزمن دون حاجة إلى وقود. ولا شك في أن هذا النوع من الصواريخ، سيساعده على دراسة القمر. نظرا لما يمتاز به من ميزات اقتصادية.

وتبين لنا بعض العمليات الحسابية أن صاروخا زنته عشرة أطنان، وسرعة العادم 4 كيلو مترات في الثانية، لا يحتاج إلى أكثر من اثني عشر طنا من الوقود حتى يتمكن من الدروان حول القمر. وذلك إذا ما انطلق من فوق قمر صناعي تابع للأرض. أما إذا انطلق من فوق الأرض فإنه سيحتاج إلى 150 طنا من الوقود. و إذا ما كانت سرعة العادم ۲٫۵ كيلو متر في الثانية، فإن تقديراتنا تتغير وتصبح في الحالة الأولى ۲۰ طنا من الوقود، و 840 طنا في الحالة الثانية. ونحن نسوق هذا القول على افتراض أن سفينة الفضاء هنا ستنطلق بأقصى سرعتها منذ اللحظة الأولى ودون استنفاد وقود إضافي للتغلب على مقاومة الهواء.

 رحلات الطيران الاستطلاعية حول القمر


ونظرا لأننا لا نری، ونحن على الأرض، إلا أحدنصفی القمر، فإن العلم يهتم جدا بالفائدة المنتظرة من بحث النصف الثاني. وقد يتم الطيران فوق ذلك النصف في وقت يكون سطحه كله مضاء بأشعة الشمس أي تتم مع قمر جديد.

ونظرا لأننا لا نری، ونحن على الأرض، إلا أحدنصفی القمر، فإن العلم يهتم جدا بالفائدة المنتظرة من بحث النصف الثاني. وقد يتم الطيران فوق ذلك النصف في وقت يكون سطحه كله مضاء بأشعة الشمس أي تتم مع قمر جديد. ويمكننا أن نفترض بأن نصف القمر الذي لا نراه من على سطح الأرض لا يختلف أساسا عن النصف الآخر. ومن المحتمل كذلك أن يكون - مثله- جافا تماما وليس به ماء، وخاليا بالتالي من أي نوع من الهواء. وللمسافرين أن يتوقعوا رؤية أشياء كثيرة. 

فقد پروا أماكن سوداء كبيرة حيث توجد وديان، وهي التي تسمی "بالبحار". كما سیرون سفوح جبال تقطعها شقوق عميقة، وجبالا دائرية مسننة، ومنحدرات زلقة من الداخل ولكنها تنحدر بالتدريج  نحو حافتها الخارجية المدرجات الجبلية وسلاسل من فوهات البراكين وقطعا من الرماد البركاني ذات لون أبيض كالثلج تبهر الأبصار الأشعة المضيئة.

ولنتخيل أن سفينة الفضاء بنيت حسب التصميم الموضح، ولنفترض أنها انطلقت من محطة فضاء بهدف القيام يبحث عن القمر. ويلاحظ أن سرعة سفينة الفضاء ستتغير أثناء طير انها بقوة دفع كمية حركتها الذاتية. وعلى الرغم من أن الصاروخ انطلق بسرعة كبيرة فإنه سيفقد سرعته تماما، كما يحدث بالنسبة لقطعة من الحجر يقذفها الإنسان إلى أعلى. ويصل الصاروخ بعد خمسة أيام إلى نقطة يقع فيها تحت تأثير مجال جاذبية القمر. وحالما يحدث ذلك تبدأ سرعته في الازدياد حتى تصل إلى .۲٫5 كيلو متر في الثانية و هو على بعد عشرات الكيلو مترات عن سطح القمر.

وإذا كان لابد أن تتحول سفينة الفضاء إلى كوكب صناعی تابع للقمر، حينما تكون على بعد عشرة كيلو مترات من س طحه، فلابد إذن أن ننخفض سرعتها إلى 1 . 7 كيلو متر في الثانية، وهی السرعة الدائرية لهذا الارتفاع  وستقطع السفينة دورتها حول القمر في مدة ساعة وخمسون دقيقة. وسيكون أفقها المرئی ۱۸۹ كيلو مترا. وهنا سيتمكن الإنسان من أن يرى بالعين المجردة الأشياء الموجودة على سطح الأرض، والتي يبلغ طولها نحو ثلاثة أمتار أو أكثر.

وسوف تستمر سفينة الفضاء في دورانها حول القمر كما يشاء ركابها دون أن تستفد قطرة واحدة من الوقود. وإذا عزم ركاب السفينة على اتخاذ طريقهم نحو وطنهم، وبدأوا رحلتهم نحو الأرض، فليس عليهم إلا أن يديروا المحركات. إذ إن السفينة ستترك الفلك الدائري، بعد أن تزداد سرعتها، بينما ستواصل خزانات الوقود المنزوعة سيرها في طريقها القديم. وستواصل الآلات الأوتوماتيكية الموجودة بها إرسال إشاراتها اللاسلكية باستمرار إلى الأرض، وتبين فيها النتائج المختلفة التي سجلتها لعمليات القياس.

وبعد الانتهاء من رحلات الطيران الاستطلاعية حول القمر، تبدأ رحلات بقصد الهبوط على القمر. ولكن هل من الميسور الهبوط على سطح القمر دون استخدام وقود؟ وهل يحيط بالقمر غلاف غازی؟

دلت عمليات الرصد أن الغلاف الغازي المحيط بالقمر دقيق جدا. وتفيد بعض المعلومات المبدئية أن كتلة الهواء التي تغطي ك ل سنتيمتر مربع من سطح القمر تقدر ب ۰٫۰۰۲ من الكتلة المقابلة لها على سطح الأرض. وتتساوى كثافة الغلاف الغازي المحيط بسطح القمر مع كثافة الغلاف الغازي المحيط بالأرض، والموجود على أن يستخدم الهواء المحيط بالقمر من أجل تهدئة سرعة سفينة الفضاء قبل هبوطها على القمر، ولهذا فلابد من استخدام صاروخ ذي مراحل التحقيق هذا الغرض.

وسيضطر المسافرون عبر الفضاء إلى أن يمكثوا في حجرات حبس الهواء بعد أن يصلوا فوق سطح القمر، وهو ما يصدق بالنسبة الكواكب التي لا يحيط بها غلاف غازي، أو سيضطرون إلى ارتداء معاطف الفضاء قبل أن يخرجوا من السفينة. وسيتمكن المسافرون.

على الرغم من هذه الملابس الثقيلة، من الحركة بسهولة. ويرجع ذلك إلى أن جاذبية الأرض تقدر بسدس جاذبية كوكبنا۔ ولكي يتخلص المرء من مجال جاذبية القمر، فإنه يحتاج إلى اعلى ۲۰ من الطاقة اللازمة لتحقيق نفس الغرض على الأرض. وبالتالي فإن السرعة اللازمة للتخلص من القمر ستكون أقل بكثير من السرعة اللازمة للتخلص من الأرض.

وکی نكون أكثر دقة نقول: إن هذه السرعة ستكون أقل من ۲٫۵ كيلو متر في الثانية، بينما نجد أن الصواريخ الحديثة التي تسير بوقود سائل قادرة على السير بسرعة أكبر من هذه.

الحياة داخل سفينة الفضاء

0

الحياة داخل سفينة الفضاء




منذ أكثر من مائة عام مضت، دخلت إحدى المجلات الإنجليزية في جدال عنيف مع المخترع الإنجليزي المشهور جورج ستفنسون. زعمت هذه المجلة بأنه ليس ثمة شيء أكثر بطلانامن الادعاء بأن في الإمكان بناء قاطرة تسير بسرعة تقدر بضعف سرعة عربة البريد؛ واستمرت المجلة تقول: ومن الغباء الاعتقاد بأن سكان وولويتش سيأمنون على حياتهم ويثقون في هذه الآلة. إذ إن هذا معناه أنهم سيلقون بأنفسهم للاحتراق داخل صاروخ.

ومن الطريف أن ستيفنسون أطلق على أول قاطرة أسم "صاروخ" ولقد تحرك "الصاروخ" في السباق الذي تم بعد ذلك بسرعة تعادل أضعاف سرعة عربة البريد، ووصل ركابه إلى هدفهم في أمن و سلام.

ولا شك في أن ستيفنسون نفسه كان سيدهش، إذا ما نمي إلى علمه أن الإنسان سيتمكن من السفر داخل صاروخ حقيقي يسير بسرعة كونية ويتم رحلته في أمن وسلام، وأن ذلك سيتحقق بعد أن تتهيأ بعض الشروط الضرورية. ويلاحظ أن كلا من الإنسان وسفينة الفضاء سيتأثران بحالات من الجذب، نتيجة تزايد السرعة، عند انطلاق الصاروخ.

تأثر جسم الانسان بالفضاء


لهذا فإن مدى تحمل الجهاز العضوى للإنسان، هو الذي سيحدد شدة الجنب التي يمكن أن نتجاوز عنها، كما أنه سيحدد بالتالى المدى الذي تزيد السرعة وفقا له. ويمكن بلوغ السرعات الكونية بعد بضع دقائق، إذا ما زادت عجلة التثاقل إلى أربعة أو خمسة أمثالها.

وتفيدنا الخبرة العملية أن الإنسان قادر على تحمل حالات من الجذب والضغط الكبير. ويتبين لنا ذلك مثلا إذا ما ركب الإنسان عربة تتحرك بسرعة هائلة. ثم تقف فجأة، أو حينما تغطس تحت الماء من فوق ارتفاع معين. كما أن الطيار يواجه حالات من الضغط الشديد، إذا ما أطلقت مركبته الهوائية من فوق قاعدة لإطلاق القذائف والصواريخ، أو حينما يقوم ببعض الألعاب البهلوانية في الهواء.

ولقد أجريت تجارب خاصة، بهدف زيادة معلوماتنا في هذا الصدد. وهاك مثال من تلك التجارب: وضع رجل لمدة ست دقائق  داخل مركب تسير في حركة دورانية. وكان هذا المركب دائري الشكل، ونصف قطره خمسة أمتار، كما كان يتحرك بسرعة تساوی 14 مترا في الثانية، وروعي أن تكون الظروف الملابسة للتجربة مماثلة لتلك التي سيواجهها الإنسان أثناء السفر بين الكواكب. ولقد نجحت التجربة، ولم يترتب عليها أي أذى للإنسان.

وتبين أن قدرة الجهاز العضوى على التحمل، تتوقف إلى حد كبير على وضع الجسم أثناء الطيران بسرعة متزايدة. وأثبتت التجارب أن الإنسان في الوضع الانبطاحي أقدر على تحمل حالات الضغط الشديد، مما لو كان متخذا وضع الوقوف أو الجلوس.

ولقد جهزت الصواريخ الآن بوسائد خاصة تتعدل بنفسها، حسب هيئة الجسم حينما تعتريه حالة من الضغط المفرط. والهدف المقصود من ذلك هو زيادة مقاومة الكائن العضوي.

ويجب أن نضع في اعتبارنا التدريب البدني، فقد ثبت أن من تدربوا تدريبا بدنيا جيدا يتحملون ضغطا يزيد على وزنهم بمقدار خمس عشرة مرة، وأنهم يستمرون في ذلك لمدة دقيقتين أو ثلاث دقائق. وتبين حسب وجهة نظر علم وظائف الأعضاء، أن هذه القدرة من التحمل، لا تكفي فقط للسير عبر الفضاء الموجود بين الكواكب، بل إلى ما هو أبعد من ذلك.

ومن الطبيعي جدا أن الناس الذين يسافرون فى صاروخ يتحرك عبر الفضاء، بقوة دفع كمية حركته الذاتية، لن يشعروا بأن لهم ثقلا بالمرة. إذ إن الإحساس بالثقل ناجم عن الضغط الذي يقع على جسم الإنسان، من حامل يحمله (مثل ضغط الأرض، أو السرير أو الكرسي... إلخ). كما أنه نتيجة للضغط المتبادل بين أجزاء الجسم وبعضها بعضا، ولو فرض أننا انتزعنا هذا الحامل الذي يركن إليه الإنسان، فإن الإحساس بالثقل سينتهي أيضا. لنفترض، مثلا أننا بداخل مصعد صمم بطريقة خاصة . وأن هذا المصعد يهبط بنا الأن دون أن يعوقه أي شيء. حينئذ ستهبط كل الأشياء الموجودة بداخل المصعد، بنفس السرعة، ولهذا فلن يكون الأحدنا أي ضغط على الآخر. ولو افترضنا أن شيئا ما، في يدك، ثم تركته يسقط، فإنه لن يسقط على أرضية المصعد. والسبب في ذلك، هو أن هذا الشيء قد فقد ثقله، تماما كما فقدت كل الأشياء الأخرى الموجودة داخل المصعد تثقلها بما فيها أنت نفسك.

وهاك مثال آخر. إذا وضعنا ثلاثة قوالب من الطوب فوق بعضها، فإن القالب الأول سيكون له ضغط معين على القالب الموضوع في الوسط، بينما سيكون ضغط القالب الثاني على القالب الثالث ضعف ضغط القالب الأول. ولو تصورنا أننا ألقينا بهذه القوالب الثلاثة، وهي في نفس الوضع، من النافذة، فإنها لن تضغط على بعضها، إذ لن يكون أي منهم حاملا للأخر.

ونحن على سبيل المثال نشعر بفقدان الثقل على الأرض حينما نترك الحامل الذي يمسكنا ونغطس في الماء. أو حينما نهبط من الطائرة وننزل على مهل. وإذا قفزت من على ارتفاع و أنت تحمل في جيبك شينا له ثقل، فإنك لن تشعر بهذا الثقل إذا كنت تهبط في مجال ليست فيه مقاومة. ويلاحظ أن الشخص الذي ينزلق على الجليد من فوق جبل مثلا، يشعر بفقدان جزئى للثقل، وهذه هي الحال بالنسبة للشخص الذي يترنح، وخاصة بعد أن يصل إلى أعلى جزء. ومن المعروف كذلك أن الهابطين بالمظلات، والأشخاص الذين يقومون بالألعاب البهلوانية، يحسون بفقدان الثقل، دون أن يفقدوا توازنهم، أو تنظيم حركاتهم.

ويقصد بلفظة ثقل" بوجه عام في علم الأسفار عبر الفضاء، القوة التي تحفظ الناس والأجهزة فوق أرضية سفينة الفضاء. وإذا حدث أن انعدمت هذه القوة، فلن يكون هناك أي ضغط متبادل بين الناس والأشياء وبين بعضها بعضا، وستصبح غير ذات ثقل. ويقول بعض أولى الشأن بأن ثقل الإنسان، أو الشيء فوق سطح الصاروخ يبدو وكأنه ينخفض ويزداد أثناء الطيران. إلا لكننا على أية حال لا نقر هذا الرأي، طالما أن الفارق الفعلي في الثقل يمكن تسجيله بواسطة آلات خاصة بذلك.

ويبين لنا الشكل رقم ۱۰، كيف أن ثقل الجسم يتغير داخل الصاروخ. إذ يلاحظ أن نقل كيلو جرام واحد معلق في ميزان زنبرکی، يحرك مؤشر الميزان ليشير إلى علامة كيلو جرام واحد، وهذا بالنسبة للثقل قبل انطلاق الصاروخ. أما بعد أن يحمل الهواء الصاروخ، فإن نقل الأجسام الموجودة بالداخل تزداد إلى أضعافها، إذ قد تصل مثلا إلى أربعة أمثالها، وبهذا يشير مؤشر الميزان إلى علامة 4 كيلو جرامات. وحينما يتحرك الصاروخ بقوة دفع كمية حركته الذاتية، فإن كل الأجسام الموجودة بداخله تفقد ثقلها . وبهذا يعود مؤشر الميزان إلى العلامة صفر.

ما زال أمامنا كثير من الجهود الشاقة المضنية، التي يجب علينا أن نبذلها لحل مسألة تموين المسافرين عبر الفضاء بكميات كافية من الأكسجين والماء والطعام، وذلك في أولى رحلاتهم إلى  المريخ والزهرة. إذ إن هذه الرحلة ستستغرق أكثر من عامين. وما زلنا كذلك في حاجة إلى القيام بدراسة تفصيلية أكثر مما هو الأن لحل مشكلة نتقية الماء والهواء على ظهر سفينة الفضاء. لكن أهم شيء الآن هو: أن حل هذه المشكلة كلها أصبح من الأمور الممكنة عمليا.

قوة الجانبية و مشكلة الإفلات من الأرض

0

قوة الجانبية و مشكلة الإفلات من الأرض



لنحاول أن نلقي نظرة إلى المجموعة الشمسية التي سنعبر أرجاءها اللامحدودة بسفن الفضاء التي سنصنعها في المستقبل. الأرض حول الشمس في مدار دائري تقريبا، وهي تسير بسرعة عظيمة في فضاء خال من الهواء. وتبعد الأرض عن الشمس في حركتها هذه بنحو ۱۰۰ , ۰۰۰ , ۰۰۰ ق.م. ويؤخذ هذا البعد على اعتبار أنه وحدة فلكية واحدة، أما الكواكب الثمانية الكبرى، وعدد كبير آخر من الكواكب الصغرى - الكويكبات - فإنها تتحرك في نفس مستوى مدار الأرض. ويبين لنا مقارنة الأبعاد الكواكب عن الشمس.

وينتهي الفضاء الموجود بين الكواكب عند مدار بلوتو، وبلوتو هذا هو الكوكب الأخير في المجموعة الشمسية، وتفصل بينه وبين 31 الشمس مسافة تقدر بنحو ۹٫۰۰۰٫۰۰۰٫۰۰۰ ق.م، وهذا هو الفراغ اللامحدود الذي ستضطر سفن الفضاء إلى عبوره. وسوف تستفيد هذه السفن في حركتها من جاذبية للشمس، أو ستضطر إلى مقاومتها. كما ستضطر إلى تجنب الاصطدام بالشهب وأسراب الكويكبات السابحة في الفضاء.

لكن ما الذي يمنعنا من البدء بإطلاق صاروخ في الفضاء؟


إن العقبة الكبرى هي قوة الجانبية، فكل شيء موجود على سطح الأرض مجذوب إلى مركزها، وليست هذه هي حال الأرض وحدها، بل إن كل الأجسام، من حبة الرمل الصغيرة، إلى النجم الهائل، له قوة الجاذبية هذه. فكل الأشياء التي تحيط بنا يجنب بعضها بعضا. ونحن لا نشعر بذلك، لأن قوة الجذب فيها ضعيفة جدا، ونحن نشعر من ناحية أخرى بالجانبية الأرضية على الدوام.

ولولا الجانبية هذه، لما بقى شيء على سطح الأرض. إذا بدونها لطار كل شيء وانطلق في الفضاء. كما أن الأرض ستنطلق بعيدا
.عن الشمس، ويبتعد القمر عن الأرض. ونظرا لأن هذه القوة حقيقة لها وجودها الفعلي، فإنها تعقد مشكلة السفر بين الكواكب

هل من الممكن أن يترك صاروخ الأرض ولا يعود إليها أبدا؟ نعم من الممكن ذلك. ولنتخيل أن هناك قاعدة بنيت فوق جبل عال، حيث لن يعد الهواء عقبة تحول دون طيران الصاروخ، وإذا افترضنا أن صاروخا أطلق من هذه القاعدة بسرعة معينة، فإنه سيتبع مسارا منحدرا، ويسقط على بعد معين من الجبل، وإذا افترضنا أن قوة الوقود التي تدفع الصاروخ وسرعته قد ضوعفتا، فإنه سيطير إلى مسافة أبعد، كما أن مساره سيكون بالتالي أقل انحدارا. 

وهكذا يمكن زيادة سرعة الصاروخ حتى تصبح درجة انحدار مساره هی نفس درجة انحدار سطح الأرض. وإذا ما بلغ الصاروخ هذه الدرجة فإنه يستطيع حينئذ أن يدور حول الأرض ويطوف حولها مرة بعد  أخرى. وبهذه الطريقة يصبح الصاروخ تابعا للأرض، وسيكون مثل القمر، ولن يسقط أبدا على سطحها.

وإن أقل سرعة يمكن بها لجسم من الأجسام أن يدور حول الأرض دون أن يسقط تسمى بالسرعة الأولى للسفر عبر الفضاء، أو السرعة الدائرية.

ولكن لماذا لا يسقط جسم يتحرك بمثل هذه السرعة على الأرض؟ لنفترض أن طائرة تطير حول الأرض على طول خط الإستواء أو خط الزوال. فإن هذه الطائرة تقع تحت تأثير قوة طرد مركزية، وتزداد هذه القوة بزيادة سرعة الطائرة. وتقاوم هذه القوة جذب الجاذبية، وتحاول رفع الطائرة بعيدا عن الأرض. ولا يمكن ملاحظة هذه القوة بوضوح في السرعات البطيئة.

ولكن حينما تصل السرعة إلى ۷٫۹كم في الثانية، فإن قوة الطرد المركزية تساوی حينئذ قوة الجاذبية وتفقدها غلبتها. وهذه هي ما نسميها بالسرعة الأولى للسفر عبر الفضاء. ولولا مقاومة الهواء التمكنت الطائرة التي تطير بمثل هذه السرعة أن تدور حول الأرض لمدة غير محدودة، ويكون لها نفس كمية الحركة. وبهذا تصبح الطائرة كوكبا صناعيا تابعا للأرض.

ما السرعة التي يجب أن يسير عليها جسم من الأجسام حتى يتغلب على جاذبية الأرض


وما السرعة التي يجب أن يسير عليها جسم من الأجسام حتى يتغلب على جاذبية الأرض، وينطلق في الفضاء؟ لكي نجيب عن هذا السؤال لابد لنا أن نعرف شيئا ماعن الجاذبية.

تقل قوة جذب الجاذبية الأرضية كلما ابتعد الإنسان عن مركزها، وهذه هي الحال بالنسبة للأجرام السماوية الأخرى. وتقل هذه القوة بنفس النسبة التي يخف فيها لمعان جسم من الأجسام كلما ابتعد عن مصدر الضوء الذي يسقط عليه، أي يتناسب تناسبا عكسيا مع الجذر التربيعى للمسافة. أو بعبارة أخرى تخف نسبة قوة جذب الجاذبية بمقدار يساوى عامل العدد 4، إذا كان الجسم على بعد ضعف هذا العدد، أو تخف بنسبة عامل العدد ۹، إذا كان الجسم على بعد يساوي هذا العدد ثلاث مرات.

وکی نخلص جسما من الأجسام من مجال جاذبية أحد الكواكب فلابد من أن نبذل نفس كمية الجهد التي يجب بذلها إذا أردنا أن نرفع الجسم إلى ارتفاع مساو لنصف قطر الكوكب.

هذا على فرض أن قوة الجانبية لا تتغير كلما ابتعد الجسم عن مركز الكوكب، ويمكننا أن نحقق ذلك إذا ما اكتسب الجسم بالقرب من سطح الأرض سرعة معينة. والجسم الذي يسير بمثل هذه السرعة سيتخذ لنفسه مسارا على شكل قطع متكافئ (شكل 5)، وهذا هو الأصل الذي اشتق منه اصطلاح سرعة القطع المتكافئ، والتي تعرف أيضا باسم السرعة الثانية للسفر عبر الفضاء، أو سرعة الإفلات". وسرعة الأرض عند سطحها تساوی ۱۱٫۲ کیلو متر في الثانية.

وإذا كانت السرعة التي يكتسبها جسم من الأجسام تفوق السرعة الدائرية، و أقل من السرعة التي تدفعه وتحركه في مدار قطع متكافئ، فإن الجسم في هذه الحالة يسير في مدار على شكل القطع الناقص. أما إذا ما تجاوزت سرعة الجسم السرعة التي تدفعه إلى الحركة في شكل قطع متكافئ فإن الجسم يسير في مدار على ش كل القطع الزائد.

ولقد افترضت في حديثي أن الجسم خاضع فقط للجاذبية الأرضية، وهدفي من ذلك هو تبسيط عملية حساب حركة الجسم، بينما يقع الجسم في واقع الأمر تحت تأثير مجال جاذبية الشمس كذلك، وتبين لنا بعض العمليات الحسابية أن الجسم لكي يتحرر من مجال جاذبية الشمس والأرض، فلابد وأن يتحرك في سرعة لا تقل عن ۱۹ , ۷ كيلو متر في الثانية. وهذه هي السرعة التي تسمی بالسرعة الثالثة للسفر عبر الفضاء.

ومهمة علم السفر عبر الفضاء هي أن يهيء لنا الفرصة التحقيق السرعة الأولى والثانية والثالثة للسفر عبر الفضاء.

الصاروخ باعتباره مثالا لسفينة الفضاء

0

الصاروخ باعتباره مثالا لسفينة الفضاء

 

من الأمور المتفق عليها بوجه عام، أن أي سفينة من سفن الفضاء التي سنبنيها في المستقبل، ستعتمد على الصواريخ لدفعها. إذ ستندفع هذه السفينة إلى الفضاء بقوة دفع الغازات التي تنطلق من الصاروخ. ويعتبر السفر بالصاروخ من الوسائل المأمونة العواقب للغاية. وذلك لأن الصاروخ يكتسب كمية حركته بالتدريج. وهذا ما يميزه عن قذيفة المدفع. ويفسر لنا ذلك لماذا ستكون عملية الجذب التي يشعر بها الإنسان وقت الانطلاق ضعيفة لدرجة كبيرة. بحيث إنها لن تسبب أي أذى لركابها المسافرين عبر الفضاء.

ويلاحظ أن سفينة الفضاء لن تعترضها مقاومة عنيفة من الهواء. كما أن الحرارة الناتجة عن الاحتكاك ستكون ضعيفة لدرجة لا يؤبه لها. و السبب في ذلك هو؛ أن سرعة سفينة الفضاء المندفعة بقوة دفع الصاروخ داخل الغلاف الغازی، ستكون بطيئة نسبيا.

وسوف يتمكن كذلك ركاب سفينة الفضاء من استخدام محرك الصاروخ للتحكم في حركة سفينة الفضاء، وذلك بأن يزيدوا من سرعتها في الفضاء، أو يقللوا منها، أو يغيروا من اتجاه الطيران إذا اقتضت الضرورة.

ولكن ما الفكرة الأساسية التي تقوم عليها حركة الصاروخ؟


ضغط الغازات المتولدة عن احتراق المادة المتفجرة. فالغازات تضغط في اتجاهين متضادين بقوة متساوية، تجاه القذيفة وتجاه البندقية. إلا أن البندقية ترتد إلى الوراء قليلا، لأن كتلتها أكبر بكثير من كتلة القذيفة. ويحدث هذا وفقا لأحد القوانين الرئيسية في الميكانيكا، وهو القانون الآتي: "لكل فعل لابد وأن يكون له رد فعل مضاد و مساو له" : وتعرف الحركة الناتجة عن الفعل باسم الحركة الإرجاعية.

والصاروخ الذي يستخدم باعتباره محركا لسفينة الفضاء، لابد وأن يكون من نوع خاص. إذ إنه لن يكون من نوع الصاروخ المعبأ بالبارود، والذي يطلق عادة في الأعياد. وذلك لأن عملية احتراق الغازات تولد بداخله ضغطا عاليا جذا، ولابد وأن يكون الصاروخ قوى البنيان، حتى يتحمل مثل هذا الضغط، وبالتالي سيكون وزنه كبيرا جذا. وزيادة على ذلك فإنه من المستحيل تنظيم عملية استنفاد البارود أثناء الطيران، تماما كما يستحيل علينا أن ننظم احتراق لهيب الشمعة. فمن المستحيل مثلا أن يوقف الإنسان عملية احتراق البارود، حتى يتمكن من أن يوقف المحرك إذا لزم الأمر.

وتستخدم الآن على نطاق واسع الصواريخ التي تزود بوقود سائل، وهذا النوع من الصواريخ يفضل تماما عن الصواريخ المعبأة بالبارود في هذا الغرض بالذات.

ويبين لنا  صورة لصاروخ مزود بوقود سائل. ويوجد لهذا الصاروخ خزانان. ويحتوي أحد الخزانين على مادة دافعة (مثل الكحول الإيثلي)، ويحتوي الآخر على مادة مؤكسدة مثل سائل الأكسجين مثلا.

وتوجد بالصاروخ مضختان يتحكم فيهما توربين. وينتقل کل من الوقود السائل، والسائل المؤكسد من المضختين ويلتقيان في غرفة خاصة، وتحدث حينئذ بداخل الغرفة عملية تفاعل كيميائية، (أي احتراق الوقود السائل). وتخرج الغازات المتولدة عن عملية الاحتراق من غرفة الاحتراق من شأنه أن يدفع الصاروخ إلى الأمام.

وتستخدم كل من الصواريخ المعبأة بالمواد المتفجرة أو بالوقود السائل زعانف هوائية، ومنظمات للغاز والهواء وتعتمد الصواريخ على هذه الزعانف و المنظمات لضمان انتظام و ثبات طيرانها.

إلا أن هذه الزعانف و المنظمات تصبح عديمة الفائدة حالما يخرج الصاروخ عن نطاق الغلاف الغازي الميحط بالكرة الأرضية وينتقل إلى الفضاء. ولكن ماذا على ركاب سفينة الفضاء أن يفعلوا لو انحرف الصاروخ عن طريقه. هذه هي المشكلة التي قام العالم د.أ.تسیولکوفسکی بحلها. إذ اقترح وضع منظمات في طريق انطلاق الغاز من فتحته، وبذلك يتيسر تغير اتجاه طيران الصاروخ في الفضاء.

وما العوامل التي تتوقف عليها سرعة الصاروخ في سفره؟


تتوقف السرعة التي يمكن أن يسير بها الصاروخ في الفضاء، بعد أن يترك مجالات تأثير الجاذبية، على السرعة التي تخرج بها الغازات من فتحتها، كما تتوقف على كمية الوقود المستهلكة . وتستخدم لهذا الغرض أنواع معينة من الوقود الذي يولد أعظم قدر ممكن لسرعة العالم. ومن بين هذه الأنواع الأكسجين والهيدروجين مثلا. ويلاحظ مع ذلك أن الهيدروجين خفيف الوزن جدا، حتى ولو كان مكثفا على شكل سائل. كما يستلزم خزانات واسعة على عكس المواد الدافعة الأخرى. وزيادة على ذلك فإن درجة غليانه هي ۲۵۳ سننجراد. 

ويستخدم كذلك حامض النتريك والهيدرازين (وهو مركب كيميائي من الأزوت والهيدروجين)، لميزاتها الاقتصادية عن غيرهما. كما أن هذين السائلين من السهل تحضيرهما، ويمكن حفظهما في خزانات صغيرة، وهناك أنواع أخرى من المواد الدافعة الصواريخ التي تسير بالوقود السائل. ومن هذه الأنواع الكيروسين والبنزين وزيت التربنتينة وزيت البرافين وغيرها. وتستخدم معها مواد مؤكسدة مثل حامض البيروكلوريد والهيدروجين والبيروكسين.

وتولد المواد الدافعة الكيميائية الحرارية، أو المواد الدافعة العادية، عادا يخرج بسرعة تقرب من ۲٫5 لكم في الثانية. وهناك بوادر تدعو إلى الاعتقاد بإمكانية زيادة هذه السرعة إلى 4 كم في الثانية. وإذا تمكنا من الوصول إلى هذه السرعة، فإن ذلك من شأنه أن يبسط مشكلة بناء سفينة الفضاء.

وهناك طريقة أخرى يمكن استخدامها لزيادة سرعة الصاروخ وزيادة مداه. وذلك بدفعه بواسطة صاروخ أخر مساعد، وحينما يستنفد الصاروخ المساعد كل وقوده، فإنه ينفصل عن الصاروخ الأصلي من تلقاء نفسه، وتتم عملية النزول بواسطة مظلة براشوت. وينطلق الصاروخ الرئيسي بعد أن تنتهي مهمة الصاروخ المساعد.

وذلك بعد أن يبلغ ارتفاعا معينا وسرعة محدودة، وبهذا يستطيع الصاروخ الارتفاع إلى مسافة أبعد من الصاروخ العادي. ويعرف الصاروخ من هذا النوع باسم الصاروخ الذي يندفع على مراحل. ومع زيادة عدد المراحل أو المضاعفات تزداد كل من سرعة الصاروخ ومداه.

وقد أجريت في السنين القليلة الماضية تجارب أثبتت أن الصاروخ المضاعف، المعبأ بالمواد المتفجرة، يمتاز بأنه اقتصادی الحد كبير، وذلك لأن دفعة هذا الصاروخ هائلة جذا، إذا ما قورنت بوزنه. ومن المحتمل أن يستخدم هذا النوع من الصواريخ في عملية القذف الأولية لسفينة الفضاء.

ولزيادة سرعة العادم أكثر من ذلك، يستحسن استخدام مواد دافعة نووية، بدلا من المواد الدافعة العادية . ولكن ما المادة الدافعة النووية؟ ولماذا تفضل على المواد الدافعة العادية؟

لقد نجحت العلوم الطبيعية في تحويل عدد من العناصر الكيميائية إلى عناصر أخرى. ولقد صاحب هذه العملية، في حالة معينة، انطلاق طاقة ذرية. وتعرف كل مادة تولد مثل هذه الطاقة باسم مادة دافعة نووية. وتحتوي كمية صغيرة من هذه المادة على قدر هائل جدا من الطاقة.

وتتميز عملية انطلاق الطاقة الذرية بسرعتها الهائلة. ولكن ليس معنى هذا أنه من الصعب التحكم فيها. ويمكن استخدام الطاقة الذرية لتحويل سوائل معينة (مثل سائل الهيدروجين أو الهليوم)، إلى غاز، ثم تطرد خارج الصاروخ. وتسمى المادة الدافعة النووية التي هي على هيئة غاز أو سائل، باسم "الوقود الذرى.

وجدير بنا أن نذكر أن الاصطلاحين: المادة الدافعة النووية، و الوقود الذري، إنما نستخدمپنا هنا فقط حسب الاصطلاح المتبع، وذلك لأنه ليس هناك أي تشابه بين عملية انطلاق الطاقة الذرية وتحولها إلى جسم خامد، و بين عملية الاحتراق كما هي معروفة لنا.

وسوف تخرج الغازات، في الصاروخ الذري، من فتحة الغاز بسرعة تقدر بعشرات الكيلو مترات في الثانية. وكلما زادت س رعة العادم، كلما قلت كمية الوقود اللازم للسفر بين الكواكب. وهذه ميزة ضخمة يتميز بها الصاروخ الذری.

والطريقة التي يعمل بها الصاروخ الذرى كالأتي: ينتقل الهيدروجين السائل، أو أي سائل أخر، إلى غرفة صغيرة تشبه غرفة الاحتراق في الصاروخ الذي يسير بالوقود السائل. وحينما تنطلق الطاقة الذرية، فإنها ترفع في الحال من درجة حرارة الهيدروجين إلى درجة عالية للغاية.

وفي هذه الحالة يتحول الهيدروجين إلى غاز، وينطلق من غرفة الاحتراق تحت ضغط هائل.
وعلى الرغم من أن الصاروخ الذي لا يختلف في فكرته الأساسية عن الأنواع العادية من الصواريخ، فإن هناك عددا من المصاعب الفنية التي تحول دون بنائه. و أولى هذه المصاعب هو الحاجة إلى تخفيض درجات الحرارة العالية جدا، ودرجات الضغوط المرتفعة للغاية، التي تتولد داخل الصاروخ الذري، وذلك لأن ليس ثمة معدن يمكنه تحمل هذه الدرجات. وثانية هذه المصاعب، أنه لابد من اتخاذ إجراءات لحماية المسافرين إلى الفضاء من الإشعاعات الذرية التي تنطلق في نفس الوقت على صورة طاقة ذرية. ولعلاج هذه المشكلة بنجاح، لابد من اختراع مادة تمتص مثل هذه الإشعاعات، ولابد كذلك أن تكون هذه المادة خفيفة الوزن، لأن الوزن الزائد على الحد سيتسبب في خفض مدى الصاروخ لدرجة كبيرة.

السفر عبر الفضاء بين العلم و الأسطورة

0

السفر عبر الفضاء بين العلم و الأسطورة



ظل السفر عبر الفضاء قرونا طويلة وهو لا يعدو أن يكون أضغاث أحلام ، فهناك الكثير من الأساطير التي تحكي لنا قصة إنسان يطير إلى العوالم الأخرى، أو قصة زوار يأتون من تلك العوالم في زيارة للأرض: وعلم الأساطير اليونانية القديمة، على وجه الخصوص، غني بمثل هذا النوع من الأساطير. فنحن نجد على سبيل المثال قصة إيكاروس. وإيكاروس هذا شخص ركب على ظهره أجنحة من الريش وثبتها بالشمع ثم طار بها حتى اقترب من الشمس. وهنا ذاب الشمع وسقط إيكاروس في البحر وغرق. وهناك قصة أخرى، وهي قصة الإسكندر الأكبر الذي أراد أن يزور السماء في عربة تقودها مجموعة من النسور. وثمة أسطورة صينية تزعم لنا بأن السلالة الصينية انحدرت إلينا من القمر.

وفي الأيام المظلمة من العصور الوسطى تجنب الناس فكرة التحليق في الفضاء. وكان ذلك خوفا من اضطهاد الكنيسة. وشذت عن هذا الموقف الملحمة الهندية المسماة "رامایانا"، إذ تحكي لنا الملحمة، بأن بطلها سافر إلى السماء.

وفي عصر النهضة، بعث من جديد الاهتمام بالتحليق بعيدا عن الأرض. وانعكس ذلك في صورة رؤي خيالية. ومع نمو معرفة الإنسان بالطبيعة حلت التخمينات العلمية محل الأساطير.

وفي القرن السابع عشر ظهرت أولى المحاولات التي أعدت بطريقة فنية لتحقيق الاتصال بين الأرض والأجرام السماوية الأخرى. إلا أن هذه المحاولات رغم ذلك، لم تكن مبنية على أساس علمی.

وأشار العالم الإنجليزي جون ويلكينز إلى أن التحليق في الفضاء من الأمور الممكنة. وكان ذلك في كتابه "مقال عن عالم جديد وكوكب آخر". وقد ذهب الروائي الفرنسي، سيرانو دی برجراك إلى أبعد من ذلك. ومنذ أن أعرف الإنسان كيفية الطيران وهو يتحدث عن إمكانية استخدام الصواريخ للسفر عبر الفضاء، بل وصل به الأمر إلى أن تحدث عن أبسط تصميم لسفينة الفضاء التي تبني على هيئة صاروخ.

ولقد شاهد القرن التاسع عشر ظهور عدد من الروايات الخيالية التي تتحدث عن السفر عبر الفضاء، وبعض هذه الروايات لا تقوم على أساس علمي بالمرة. فهناك على سبيل المثال أبطال قصص الروائي جول فيرن، الذين أطلقتهم بندقية إلى القمر، إلا أن المؤلف تناسي تماما أن أبطاله هؤلاء سيلقون حتفهم حالما تطلق البندقية.

وهناك الكثير من الروائيين الذين ظهروا في بداية القرن الحالي، وكتبوا روايات خيالية تعالج الحياة في العوالم الأخرى، ولقد شاعت هذه الروايات بين جمهور القراء، ومن هؤلاء الروائيين ه . ج. ويلز في إنجلترا، و أ. بوجدانوف، وأخيرا. تولستوي وأ. بيلياييف في روسيا. وهناك بعض العلماء الذين كتبوا عددا من الروايات والقصص عن التحليق في الفضاء. ومن بين هؤلاء العلماء ك... تسیولکوفسکی.

و لا مراء في أن علم السفر عبر الفضاء أصبح من حقه الآن أن يعامل على قدم المساواة مع أي فرع من فروع العلوم الأخرى. إن تاريخ علم السفر عبر الفضاء مرتبط ارتباطا وثيقا بالمجالات الأخرى للبحث العلمي. إذ من المستحيل مثلا أن يكتب العلم السفر عبر الفضاء، البقاء دون دراية بعلم الفلك، أو دون معرفة بتعاليم نيقولا كوبرنيكوس عن بنية المجموعة الشمسية.

فقد برهن كوبرنيكوس على أن الأرض ليست هي مركز الكون. كما برهن على أن الكواكب بأكملها، وبما فيها الأرض، تدور حول الشمس. كما اكتشف يوحنا كيبلر القوانين التي تضبط حركة الكواكب، وحدد إسحق نيوتن بوضوح القوانين الأساسية التي تخضع لها حركات الأجرام السماوية. وكان نیوتن بری كذلك أن من الممكن أن تطلق قذيفة من الأرض وتصبح بمثابة "قمر" مصغر، أي بمثابة كوكب صناعي تابع للأرض. كما كان يرى أن من الممكن أن ينطلق جسم من الأرض إلى الفراغ اللانهائی.

لهذا فإن تعاليم كوبرنيكوس، والقوانين التي اكتشفها كيبلر ونیوتن، تعتبر كلها ذات أهمية قصوى لعلم السفر عبر الفضاء. وذلك لأن سفينة الفضاء يمكن أن ينظر إليها باعتبارها نوعا من الأجرام السماوية، كما أنها سوف تتخذ لها مسارا محددا في غاية الدقة، وتسير فيه عبر الفضاء، وستخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الأجرام السماوية.

ولقد ظهر علم السفر عبر الفضاء نتيجة لتطور علم الفلك وصناعة الصواريخ وإذا ألقينا نظرة سريعة إلى تاريخ الصاروخ، سنلاحظ أنه معروف منذ القدم، فقد اعتاد الصينيون في الأزمنة القديمة أن يطلقوا صواريخ من البارود بقصد التسلية في الأعياد الكبرى. كما كانت تستخدم الصواريخ في العصور الوسطى كذلك للأغراض العسكرية.

وظهرت في منتصف القرن السابع عشر رسومات الصواريخ مجهزة بزعانف هوائية. وعرفت روسيا صناعة الصواريخ منذ بداية القرن السابع عشر. وكان ذلك بفضل الجهد الذي بذله العالم أو بنزیم میخایلوف.

وقد أسست في عام ۱۹۸۰، أول "مؤسسة" للأبحاث الصاروخية"، ورأس هذه المؤسسة لك. ی. كونستانيتينوف في منتصف القرن التاسع عشر. ويعتبر هذا العالم أعظم خبير في صناعة الصواريخ في الفترة السابقة على الثورة الروسية. وقد عمل على تطوير الصاروخ الحربي الروسي لدرجة لا بأس بها. وفي عام ۱۸۸۱، وضع العالم الروسى ن.. كيبالتشيك تصميم طائرة صاروخية.

ونقح العالم الروسي الشهير ك. أ. تسیولکوفسکی (۱۸۵۷ - ۱۹۳۰) نظرية حركة الصاروخ في الفضاء. كما وضع هذا العالم تصميم أول صاروخ يسير بوقود سائل. وجدير بنا أن نذكر من بين أتباع هذا العالم كلا من ف.أ. تساندر (۱۸۸۷ - ۱۹۳۳)، والعالم ف.ف. كوندرانیوك، الذي توفي عام ۱۹۶۲.

وهناك كثير من العلماء الأجانب الذي أسهموا بنصيب وافر في علم السفر عبر الفضاء. ومن بين هؤلاء العالم روبرت أسنولت بلتيري (فرنسا)، وهرمان أوبرث، وأ. زايينجر (ألمانيا)، وروبرت ه. جودارد (الولايات المتحدة)، وأ. أنانوف (فرنسا)، والعالم و. لی، و أ. هالي (الولايات المتحدة)، وي. ستيمار (السويد) ، و أ. بيرجيس، و أ. كلارك (بريطانيا)، وه. جارتمان (جمهورية ألمانيا الاتحادية). كما أسهمت في ذلك جمعيات دراسية ما بين الكواكب، مثل الجمعية البريطانية على سبيل المثال.

تطور صناعة الصواريخ


ولقد أحرزت صناعة الصواريخ تقدما هائلا منذ ذلك الحين، وهذا ما تكشفه لنا الأرقام التالية: ففي العقد الثالث من هذا القرن تمكن صاروخ ذو مرحلة واحدة، يسير بوقود سائل، من أن يضرب الرقم القياسي في الارتفاع وقدره ۱۳ ق.م، وفي عام ۱۹۵۲، بلغ هذا الرقم ۲۱۷ك.م ، وفي عام 1954، 14 ق.م. ا.

وأحرزت الصواريخ متعددة المراحل نجاحا أفضل من ذلك بطبيعة الحال. إذ ضربت رقما قدره 400 كم عام 1949، وفي عام ۱۹۰۳ مسافة تقرب من 500 ك. م . وهي الآن تبلغ ارتفاعا قدره ألف ك.م. ومن المؤكد أن هذه الأرقام ليست بالأرقام المثيرة إلى حد كبير، إذا ما قورنت بالمسافات التي تفصل بين الأرض والأجرام السماوية الأخرى.

فالمسافة بين الأرض و القمر مثلا تعادل هذا البعد مئات المرات، كما أن المسافة بين الأرض وأقرب الكواكب تساويها  عشرات الآلاف، ومع ذلك ينبغي علينا ألا نغض من قيمة المكاسب التي أحرزتها صناعة الصواريخ.

ولو تمكنا من أن نزيد من سرعة الصاروخ الحديث إلى الضعف، لتحول هذا الصاروخ إلى كوكب صناعي تابع للأرض، وهذا ما سنبلغه خلال سنين قليلة. ولو زادت سرعة هذا الصاروخ إلى ثلاثة أمثاله، فسوف يخرج من مجال جانبية الأرض ويتجه إلى القمر.

ومع ذلك فليست المشكلة من السهولة بهذا القدر. فلكي نحصل على مثل هذه السرعة لابد لنا من أن نخفف من وزن الصاروخ الحديث. ولابد وأن نزيد نسبة كتلته. كما يجب أن يكون بناء الصاروخ متماسكا لدرجة قوية، حتى يقاوم درجات الحرارة والضغوط العالية. وهذه هي المشاكل التي تواجه العلماء والمهندسين الآن.

وثمة اعتقاد شائع بأنه لكي يستطيع الإنسان التحليق في الفضاء، فلابد أن تحدث ثورة في فن العلوم الصناعية (التكنولوجيا). لكنه اعتقاد خاطئ، إذ إن التحليق في الفضاء يتحول بالتدريج إلى مسألة يمكن إجراؤها عمليا، فالنجاح الذي أحرزناه في تطور صناعة الصواريخ، وفي التحكم في حركة الأجسام عن بعد، وفي الطبيعيات، وعلم الأحياء، كل هذا يخول لنا الاعتقاد بحق بأن الإنسان أصبح  الآن على عتبة السفر عبر الفضاء. واليوم يشتغل علماء كثير من البلاد في هذا المجال، وليس علم السفر عبر الفضاء من الأمور التي تعني الخواص فقط، بل إنها تعني كذلك الجمهور العام بالمعنی الواسع، ولقد تكونت منذ الحرب الماضية جمعيات خاصة لعلم السفر عبر الفضاء في أكثر من عشرين قطران.

عبر الفضاء. وفي بداية عام 1954، تكونت جمعية العلم السفر عبر الفضاء، وتعرف هذه الجمعية باسم "نادی شکالوف الهوائي المركزي". وفتح هذا النادي للراغبين في السفر عبر الفضاء. ولقد شكلت أكاديمية العلوم باتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية منذ عهد قريب لجنة للسفر عبر الفضاء، وحددت الأكاديمية جائزة لتشجيع البحث في هذا المجال، وتعرف هذه الجائزة باسم "جائزة تسیولکوفسکی". ولا شك في أن هذه الإجراءات كلها ستعجل باليوم الذي ستحل فيه مشكلة السفر عبر الفضاء.

ويمثل هذا الكتيب أحد الجهود التي تبذل بهدف تقديم عرض موجز يكشف عن الإمكانات التي بين أيدينا الآن، والتي تساعد على السفر بين الكواكب.